جلال الدين السيوطي
مقدمة 17
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
تسع وثلاثمائة وألف للميلاد ، وتوفي في ذي القعدة سنة واحدة وستين وسبعمائة للهجرة الموافق شهر أيلول سنة ستين وثلاثمائة وألف للميلاد . أخذ النحو عن عبد اللطيف بن المرحّل ، وتاج الدين التبريزيّ ، وتاج الدين الفاكهانيّ ، وأبي حيان الأندلسيّ ، ولم يلازمه ، « وكان منفردا بالفوائد الغريبة ، والمباحث الدقيقة ، والاستدراكات العجيبة ، والتحقيق البارع ، والاطلاع المفرط ، والاقتدار على التصرّف في الكلام ، والملكة التي كان يتمكن من التعبير بها عن مقصوده بما يريد مسهبا وموجزا مع التواضع والبرّ والشفقة ودماثة الخلق ورقّة القلب » « 1 » . وبلغ من شهرة ابن هشام في النحو أن قال فيه ابن خلدون : « ما زلنا نسمع أنّه ظهر بمصر عالم بالعربيّة ، يقال له : ابن هشام ، أنحى من سيبويه » « 2 » . إنّ صدور هذه المفاضلة في النحو بين سيبويه وابن هشام من عالم خبير بتصنيف العلوم ومراتب العلماء كابن خلدون تختصر نحاة العربيّة في اثنين : سيبويه ، وابن هشام ، فالأوّل تهيّأ له إبداع الكتاب ، والثاني تهيأ له إبداع « مغني اللبيب » ولكن طريق ابن هشام نحو الإبداع كانت تمرّ بالاطلاع على تجارب التأليف النحويّ قبله ، والقيام بتجارب في التأليف النحويّ ، عبّرت عنها كتبه ، فالشروح كشرح الألفية المعروف بأوضح المسالك ، وشرح التسهيل ، وشرح اللمحة البدريّة تعلّم التدقيق في آراء النحاة ، والمحاولات الخاصة تدلّ على شخصيّة تبحث عن الإبداع والتميّز . ففي : « قطر الندى وبل الصدى « رؤية نحويّة لا تخرج عن الرؤية العامة لترتيب أبواب النحو العربيّ وعرض مسائله وقضاياه . وفي : « شرح شذور الذهب » محاولة لتصنيف النحو العربيّ وفق نظريّة الأحكام الإعرابيّة كالمرفوعات ، ثم المنصوبات ، ثم المجرورات ، ثم المجزومات ، ثم ما يعمل عمل الفعل من المصادر والمشتقات وأسماء الأفعال ، ثم التوابع أي أحكام
--> ( 1 ) بغية الوعاة : 2 / 69 . ( 2 ) المصدر نفسه : 2 / 69 .